ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

50

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

قال تعالى : فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى [ طه : 20 ] ، فمن الناس من إليها سعى ، ومنهم من أدبر يسعى . قال تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [ البقرة : 26 ] . ثم إني كنت برهة من الزمان مشغوفا بأن امتثل أمره حيث أمر بقوله : بالفهم فصّلوا ، واجمعوا . ومشغوفا أن أتمثل بين يدي نهيه حيث نهيه ؛ حيث نهى وقال : لا تمنعوا ، وكنت أقدم رجلا ، وأؤخّر أخرى ، أطلب منه إشارة الإذن والبشرى حتى رأيت في مبشرة في سنة ست وثلاثين وتسعمائة بالمدينة المشرّفة على مشرّفها أفضل التسليم والتحية أنه رضي اللّه عنه وضع فمه على فمي وعليه أثر ماء الوضوء ، وفي سنة قبلها بمكة المعظّمة . رأيت أيضا في مبشرة كأني في مجلسه رضي اللّه عنه وعنده شخص معروف بالصلاح والخير ، وبيده كتاب من كتب الشيخ رضي اللّه عنه يقرأ عليه ، فكلما قرأ سطرا وينتظر منه بيانه ، وأنا جاث بين يديه آخذ من لسانه ، وأشرح ما فيه ، فينشرح رضي اللّه عنه حتى أحس منه أثر السرور والقبول ، وأرى منه الإذن في هذه الفصوص ، ثم انتبهت من النوم ، وشملتني بركة تلك الليلة إلى اليوم ، فجمع أمري ، وأحضر ضميري فتوجّهت إلى روحه الأقدس ، وقلبه الأطهر الأقدس توجّه من ظنّ ألّا ملجأ منه إلا إليه ، فاستعنت عليه ، ففصّلت معضلات المجملات باستنباط الجزيئات ، وأجملت المفصّلات تحت القواعد الكليّات بإيضاح المعضلات ، بفتوح العبارات ونصوص « الفتوحات » ؛ ليكون لي أسوة حسنة في الشارحين ، فاقتديت بهداهم في الإنشاء والإملاء ، ولم نقتد بهم في بيان معاني الكلام ولم نشأ ، فأسسته بأصول غير واهية ، وجعلت قطوفها دانية ؛ لنجعلها لكم تذكرة ، وتعيها أذن واعية وإن كان الأمر كما قيل : وما كلّ معلوم يباح مصونة * وما كلّ ما أملت عيون الظّبا لعمري ! إني شرحت فيه للحقائق صدرا ، ورفعت لها في ظهور المراتب قدرا